ابن كثير

274

البداية والنهاية

عكرمة : قال ابن عباس : هلك والله القوم جميعا ، قال ابن عباس فالذين أمروا ونهوا نجوا ، والذين لم يأمروا ولم ينهوا هلكوا فيمن هلك من أهل المعاصي . قال : وذلك أهل إيلة - وهي قرية على شاطئ البحر - وكان الله قد أمر بني إسرائيل إن يتفرغوا ليوم الجمعة فقالوا : بل نتفرغ ليوم السبت ، لان الله فرغ من الخلق يوم السبت ، فأصبحت الأشياء مسبوتة . وذكروا قصة أصحاب السبت ، وتحريم الصيد عليهم ، وأن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت ولا تأتيهم في غيره من الأيام ، وذكروا احتيالهم على صيدها في يوم السبت فقال قوم : لا ندعكم تصيدون في يوم السبت ووعظوهم ، فجاء قوم آخرون مداهنون فقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ؟ ) [ الأعراف : 163 ] قال الناهون ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) [ الأعراف : 163 ] أي ينتهون عن الصيد في يوم السبت . وقد ذكر عكرمة أنه لما قال لابن عباس إن المداهنين هلكوا مع الغافلين ، كساه ثوبين . وقال حوثرة عن مغيرة عن عكرمة قال : كانت القضاة ثلاثة - يعني في بني إسرائيل - فمات واحد فجعل الآخر مكانه ، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله ملكا على فرس فمر على رجل يسقي بقرة معها عجل ، فدعا الملك العجل فتبع العجل الفرس ، فجاء صاحبه ليرده فقال : يا عبد الله ! عجلي وابن بقرتي ، فقال الملك : بل هو عجلي وابن فرسي ، فخاصمه حتى أعيا ، فقال : القاضي بيني وبينك ، قال : لقد رضيت ، فارتفعا إلى أحد القضاة فتكلم صاحب العجل فقال له : مربي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده ، قال : ومع الملك ثلاث درات لم ير الناس مثلها ، فأعطى القاضي درة وقال : اقض لي ، فقال : كيف يسوغ هذا ؟ فقال : نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها ، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له . فقال صاحب العجل : لا أرضى ، بيني وبينك القاضي الآخر ، ففعلا مثل ذلك ، ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما ، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها ، وقال لا أقضي بينكما اليوم ، فقالا : ولم لا تقضي بيننا ؟ فقال : لأني حائض ، فقال الملك : سبحان الله ! رجل يحيض ! ؟ . فقال القاضي : سبحان الله ! وهل تنتج الفرس عجلا ؟ فقضى لصاحب البقرة . فقال الملك : إنكم إنما ابتليتم ، وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك . وقال أبو بكر بن عياش عن أبي حمزة الثمالي عن عكرمة أن ملكا من الملوك نادى في مملكته : إني إن وجدت أحدا يتصدق بصدقة قطعت يده ، فجاء سائل إلى امرأة فقال : تصدقي علي بشئ فقالت : كيف أتصدق عليك والملك يقطع يد من يتصدق ؟ قال : أسألك بوجه الله إلا تصدقت علي بشئ ، فتصدقت عليه برغيفين ، فبلغ ذلك الملك فأرسل إليها فقطع يديها ، ثم إن الملك قال لامه : دليني على امرأة جميلة لا تزوجها ، فقالت : إن ههنا امرأة ما رأيت مثلها ، لولا عيب بها ، قال : أي عيب هو ؟ قالت : مقطوعة اليدين ، قال : فأرسلي إليها ، فلما رآها أعجبته - وكان لها جمال - فقالت : إن الملك يريد أن يتزوجك : قالت : نعم إن شاء الله ، فتزوجها